من وحي القلم

الدكتور أحمد عبد الدايم يكتب عن: «الحب فى القرية»

الحب فى القرية.. قبل أن أتحدث عن قصص الحب التى مررت بها فى القرية دعونى أحدثكم عن تاريخ الحب فى قريتنا الجميلة.

فالحب الذى جمع عشرات الآلاف من قلوب الفتيان والفتيات في الماضى وانتهى بالزواج، يعد من أجمل أنواعه على الإطلاق.

وهنا لن نتحدث عن آلاف القصص الفاشلة، بل سنتحدث عن القصص الناجحة فقط، والتى ربطت الأسر ببعضها، ووثقت علاقات القربى والمودة بين العائلات.

فقد جرت تفاصيل الحب القديمة تحت وطأة السلاح والنار، وفى رعاية البندقية، وفى ظل تمسك الناس بتقاليد وعادات يصعب اختراقها.

ومن ثم فإن القصص التى برزت للعلن كانت قليلة يسهل تداولها، لكن تلك التى انتهت بالزواج كانت هى الأكثر انتشارا.

قصص الحب فى القرية

فكانت ممارسات الحب فى قريتنا تتم حول البحر وهو نهر النيل، وفى الموردة وممرها إلى النيل وعبر الشرفات وعبر مصطبات الزوايا وجلسات الطرقات يوميا، وفوق الجيل أيام الأعياد، فكانت كلها منصات رئيسية لاعلان الحب وبداية تشكله.

وكان الحب فى القرية يتم فى العلن وعلى أعين الناس، فى مسيرة الفتيات للنيل للمجيئ بالمياه قبل أن تدخل إلى المنازل، لأنه حب عذرى لا غرض له إلا الزواج والفوز بالحبيبة طيلة العمر.

فأغرب قصة سمعتها لحبيب من هذا الصنف، إنه كان يحسب خطى حبيبته بالدقيقة والثانية، بدءا من خروجها من البيت متوجهه للنهر، إلى عودتها للمنزل مرة أخرى، بل يحسب الخطوات التى يمشيها هو للوصول إلى أماكن معينة، ليتمكن من إلقاء نظرة خاصة تفهمها حبيبته فقط دون مراقبة بقية الفتيات اللاتى يسرن معها.

فنظرة فى الذهاب، ونظرة فى العودة، وتكرارها لمرتين أو ثلاث فى اليوم، كانت تكفيه جدا، ويعيش عليها طيلة اليوم والليلة.

وبالتالى اجتمع قلبيهما بالنظر، وتوثقت عرى القلوب والمشاعر بالممشى إلى النهر، وانعقدت الروابط بالإشارات، فتم الزواج وأثمر خيرة الشباب والفتيات.

 

الحب في القرية - 2

حكايات حب النساء في قريتنا

وحكايات نساء قريتنا فى هذا الموضوع أجمل من روايات رجالها، ففيها من الرومانسية العفوية ما فيها، وفيها من حيل الطرف الآخر للايقاع بزوج المستقبل ما يستحق الوقوف عنده.

تسمع فيها كيف تنصب الشباك حول أحدهم بهدية لصديقة أو قريبة، لتقوم بذكر سيرتها أمام صديقنا الضحية وتكثر الحديث فى جمالها ومزاياها.

وأحيانا تستخدم الأقمشة والخواتم هدية لهذه القريبة التى تقوم بالوصل بين الحبيبين، وأحيانا يفهم الأقارب لوحدهم هذا الحب الصامت، فيسعون لتوثيق الروابط وتسهيل الزواج.

وأجمل ما سمعت من قصص أن إحداهن توسطت لأخرى بالزواج من قريبها، لكن الضحية كان يجب أخرى، فأكثرت من الهدايا، وبذلت من العطاء لتلك الوسيطة حتى تم لها المراد من رب العباد.

ومع أنه حب من طرف واحد إلا انه سرعان ما وقع فى حبها بعد الزواج، ونسى الأخرى لأنها أصبحت محرمة عليه، كون زوجته فكرت فى إبعاده عنها للأبد.

حب من نوع خاص!

وأخرى هددت حبيبها وزوجها، بسم البهائم وموتها حينما سمعت برغبته فى الزواج عليها من ثانية.

وحينما قالوا لها لماذا لا تسمميه هو، فقالت هو حبيبى ولا أستطيع.

فيمكننى أن أكيده لكن لا أستطيع أن أعيش دونه.

حكايات الحب القديمة جميلة وشيقة وجذابة.

كلها عفاف ورومانسية وهوى.

بنت فلان هاوية فلان، وبنت علان عايزة فلتكان.

وهناك العشرات من القصص سمعتها لكن لا أستطيع الحكى عنها وإبرازها، لعامل الوقت، ولأنها خرقت التقاليد وخرجت عن المعتاد والمألوف.

لكنها بالقياس لما يحدث الآن تعد حبا عذريا وعفيفا.

صحيح أن الحب بين الشباب الآن فى قريتنا يتم ديلفرى، وعبر التليفون والواتس والفيس بوك، وصحيح أنه انتهى غالبيته بالزواج، إلا أن مساحات الحب فى القلوب لتلك الحبيبة أو ذاك، والعجلة فى الأمر لم يكن بطعم حب الأجداد وطريقتهم.

فحبهم عاش وسط الخطر، وتربى على مهل، وكان مسموعا ومعروفا.

حيث كان المحبون يقتسمون هموم الحب ومشكلاته فيما بينهم، ويتبادلون الأسرار والحكايات ويساعدون فى تمكين بعضهم البعض من الارتباط بالطرف الاخر والزواج منه.

 

الحب في القرية - 2

الحب يصنع المعجزات!

وهناك من القصص ما انتهى إلى محو عداءات بين أسر، وهناك من القصص ما قربت بين عائلات ووثقت عرى المحبة والتعاون بينهم.

فتاريخ الحب فى قريتنا تاريخ يصعب اختزاله فى فقرتين أو ثلاث، وتجارب الحب يصعب حصرها فى لقطات قليلة، لكنها دعوة للشباب بالعودة إلى العفة والأخلاق الكريمة، ومطالبة للأهالى بتسهيل عمليات الزواج دون المبالغة فى حجم الذهب والأثاث والنظر فى مكان إقامة الأفراح.

فأجمل قصص الحب فى قريتى أنتجتها ظروف مادية صعبة، وتوثقت أواصرها فى أفراح شوارع القرية وطرقاتها، لكن الأهم فى دروسها هو أن تسهيلات الأسر فيما مضى رعت هذا الحب بطريقة شرعية، ويسرت له حاضنة الزواج.

فهيا هلموا للحب ويسروا زواج الشباب، واجعلوا أفراحكم داخل القرية وليس فى المدينة وعبر النوادى.

فالزواج الذى ترعاه أعين القرية هو زواج مبارك، فتلك الأعين هم شهود عند الله علي هذا الزواج، وولائم القرية هى مباركة للزواج وتطبيق للشرع، وهى حديث مستمر للقربى، ومناخ دائم لتقريب شبابنا والحفاظ عليهم، وبمثابة اعلان له وإشهار بين الناس.

Facebook Comments
الدكتور أحمد عبد الدايم
الوسوم
اظهر المزيد

الدكتور أحمد عبد الدايم

أ.د. أحمد عبدالدايم محمد حسين.. أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بكلية الدراسات الافريقية العليا جامعة القاهرة

مقالات ذات صلة

نرحب بتعليقاتكم ومشاركاتكم

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: